تحتدم المواجهات في مدينة بيت جبيل، لليوم الخامس على التوالي، والعدو الذي بدأ المعركة منذ أيام يحاول اليوم أن يوحي بانه بدأ للتو أعماله القتالية فيها، من أجل الإيحاء بأنه قادر على الحسم بوقت سريع، في سياق الدعاية التي يسوّق لها بأنه استطاع أن يخرج حزب الله من المعادلة هناك بعد تدمير قدراته!
ومع إعلانه عن زج الفرقتين 98 و 162 بهدف احتلال المدينة، يبدو من الواضح تماماً أنه يستعجل الحسم قبل انطلاقة المفاوضات التي من المزمع عقدها مع حكومة لبنان يوم الثلاثاء في أمريكا، ولكن ما الذي يجري فعلياً على الأرض؟
بعد عمله على تطويق المدينة من النواحي الشمالية والشرقية عمل على الإشراف بالرؤية والنار على المسارات المؤدية إلى حيها الغربي، مع تموضعه في مرتفع شمران الذي وصله من عين ابل التي استغل خصوصيتها ووجود أهلها فيها فدمر عدداً من منازلها في الحي الشمالي وتقدم من هناك نحوه، بينما يتحرك العدو في مارون الراس ويقيم تموضعات عسكرية فيها، ما يكمل حالة الإطباق عليها جغرافياً، وهو يشرف عليها في الواقع من الجو عبر أسراب من المسيرات والمحلّقات، الأمر الذي يمهّد فعلياً لبداية العملية البرية داخل أسوار المدينة
وفي هذا السياق فحص العدو الأسبوع الماضي جاهزية المقاومة وحاول التقدم من مثلث التحرير باتجاه احيائها الشرقية فدمر المقاومة جرافة مسيّرة، وأغاروا على قوة مشاة كانت في المكان، قبل أن تبدأ عمليات التوغل من ناجية مجمع موسى عباس شمالاً، ومن ناحية مستديرة الاستشهادي صلاح غندور شمال غرب المدينة، وكانت المقاومة تواصل التصدي طوال الوقت السابق، ومع مرور الوقت دفع العدو بمزيد من التعزيزات، وحالة الاشتباك تسجل حالياً في أكثر من نقطة رئيسية عند المداخل المتصلة بالقرى المحيطة
ووفق معطيات ميدانية، فإن العدو يعمل في المعركة بطريقة معاكسة إذ عمد إلى التحرك من عيناثا شمالاً باتجاه المدينة جنوباً وليس العكس، وهو وإن زج بقوات فرقتين من أهم الفرق العسكرية في جيشه، إلا أنه يعمل على توزيع قواته بشكل مقلّص على نقاط اشتباك عدة، ما يعني فعلياً عدم تركيز قواته في مكان واحد، بل فلشها على نقاط عدة ما يقلل من اصابتها بالصواريخ المضادة للآليات، وهي تتوزع اليوم في 14 نقطة تقع على مشارف المدينة وقرب مداخلها من الجهات الأربعة، لا سيما عند منطقة خلة المشتى وحي القلاع شمال غرب مدينة بنت جبيل، حي صف الهوا شمالاً ومحيط مستشفى الاستشهادي صلاح غندور، محيط مدرسة جميل جابر بزي جنوب شرق المدينة، عقبة عين ابل، محيط مربع التحرير ومحيط مجمع موسى عباس
هذا الواقع التفصيلي، إنما يكشف حجم الاستماتة الصهيونية لاحتلال المدينة، في محاولة للحصول على صورة إنجاز يسوّق له رئيس حكومة الكيان في حملاته الدعائية، التي بدأت بالفعل مع اعلان قنوات عبرية اليوم عن أن الجيش حقق انجازاً بتدمير ملعب بنت جبيل الذي تحدث فيه أمين عام الحزب عام 2000، هذا الخطاب فعلياً هو الذي يشكل عقدة هزيمة للعدو بكل تشكيلاته من عسكرية وسياسية ومدنية.
وكان الطيران الحربي أمس الأحد أغار على الملعب ودمّره، في سياق الاستهدافات التي تطال المدينة وتشكل جزءً من الاجراءات المواكبة والساعية لخفض قدرة المقاومة على التصدي لمحاولات التوغل الإسرائيلية
ولكن المقاومة ووفق تكتيكات الدفاع المتحرك التي تعتمدها، تعمل وفق أساليب مختلفة، فتضرب التجمعات الصهيونية الأساسية التي تؤدي مساراتها إلى المدينة، وتستهدف التموضعات التي تشكل محطات انتظار وتجميع وتوجيه نحو الميدان، وتشتبك مع قوات الاحتلال لضرب مقدماتها ومجنباتها وايقاع اكبر قدر من الخسائر فيها، وفي هذا تتحق فرصة استنزاف القوات المعادية التي تتحول أعمال توغلها من تهديد بالاحتلال إلى فرصة للقتل والاستنزاف، الأمر الذي يرفع من كلفة الأعمال الحربية التي يدفعها العدو لتحقيق أهدافه
كما وتعمل وحدات المقاومة المنتشرة في القرى والمناطق المحيطة على استهداف تجمعات العدو وتحركاته عند أطراف بنت جبيل، والنقاط المشرفة عليها، ما يجعل مفهوم الحصار الذي يتفاخر به العدو بلا أي قيمة حالياً، لا سيما وأن المقاومة قادرة على التحرك داخل أسوار المدينة لمواجهة جنود العدو، ولديها ما يكفيها من سلاح وعتاد لمواصلة المواجهة التي قد تحول الغُزات في لحظة من محكِمي طوق على المدينة إلى محاصَرين بالنار بينها وبين القرى الواقعة خارجها، ولهذا يستعجل الاحتلال محاولة الحسم فيها أيضاً.
وفي المحصّلة، فإن العدو يحاول أن يوهم الجميع بأن خلاصة الحرب هي بنت جبيل، على قاعدة أنه يستطيع أن يمسح من ذاكرة الجميع الضربات التي تلقاها إلى اليوم في هذه المواجهة، علماً أنه قد لا يتمكن من حسم المواجهة فيها لصالحه أصلاً، ولكن من الضروري التأكيد على أنه ووفق العمل الميداني فإن احتلاله لجزء من الأرض، يشكل فرصة جديدة لضربه وايلامه ورفع فاتورة خسائره، وأن عاصمة المقاومة والتحرير وإن كانت لا تملك أهمية عسكرية كبرى، ولكنها ستبقى عقدة النقص والهزيمة للصهاينة حتى ولو دمّروها ألف مرة!